تبليغاتX
مجله اسلامی
مجله اسلامی
این وبلاگ مقالات در زمینه مسایل اسلامی را با گرایش میانه روانه منتشر می کند.

من أخلاقيات الكبار الاعتراف بالخطأ والرجوع للحق



[20:02مكة المكرمة ] [22/07/2009]

بقلم: محمد عبده



الخطأ في حياة الناس أمر وارد الحدوث، ولا يستطيع إنسان أن يدعي العصمة مهما كان شأنه فيقول أنا لا أخطئ إلا الأنبياء والمرسلين، وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"(1).

 

والخطأ الحقيقي هو تمادي البعض في خطئهم، وعدم اعترافهم به، والإصرار عليه، والجدال عنه بالباطل، واعتبار الرجوع عنه نقيصة.

 

لماذا الرجوع إلى الحق من أخلاق الكبار؟

لأن الرجوع إلى الحق يعني الاعتراف بالخطأ، وهذا قلما يقبله إنسان أو يعترف به.

 

ولأن الرجوع إلى الحق يعني إكساب الآخرين رجاحة القول والرأي، وقد يُلحق النقيصة بالعائد في قراره، وهذا أيضًا لا يقدر عليه إلا الكبار.

 

ولأن الرجوع إلى الحق قد يجعل الآخرين ينظرون إلى العائد في قراره على أنه ضعيف، غير قادر على إدارة المركز الذي يشغله، وهذا أيضًا لا يقدر عليه إلا الكبار.

 

ولأن الرجوع إلى الحق قد يُسهم في تقليل فرص الشخص في إلحاق مهام جديدة له في عمله، وهذا ما لا يتحمله إلا الكبار.

 

محطات:

الكبار لهم محطات في حياتهم يُراجعون فيها أنفسهم ويصححون فيها مسارهم، حتى لا يسترسلون في خطأ وقعوا فيه، أو هوى انساقوا إليه، فإذا كان هناك ثمة خطأ أو هوى عالجوه قبل أن يستفحل.

 

فهم ليسوا كالصنف من الناس الذين يُحددون لأنفسهم قناعات لا يحيدون عنها، أو قرارات لا تقبل المراجعة والتصحيح، فحينئذ لن يسلموا في قراراتهم من هوى مطغٍ، أو خطأ مهلك.

 

بل يوقنون بأن الإنسان بشر، والبشر قد يجتهد ومهما كان اجتهاده للوصول إلى القرار الصحيح، فإن احتمالات الخطأ وارده، ولا بد من تداركها، ولن يكون هذا إلا بالاعتراف بالخطأ ابتداءً.

 

المشورة:

صغار النفوس لا يُفضلون استشارة من حولهم أو الاستئناس برأيهم حول قضية من القضايا، خشية أن يُظهر ذلك عدم كفاءتهم أو عجزهم عن اتخاذ القرارات أو لتكبر جبلت عليه نفوسهم.

 

أما الكبار فيحرصون على الشورى، ويلتمسون فيها الخير والبركة، ولا مانع عندهم من العودة في آرائهم متى رأوا الصواب في غيرها.

 

وفي قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما حول قضية جمع القرآن خير دليل على ذلك، فالكبار يسعون إلى الحق، واجتهادهم يكون للوصول إليه، فمتى لاح لهم الحق سارعوا إلى إتباعه وإن جاء على لسان غيرهم، فالخليفة أبي بكر كان مترددًا في أن يُقدم على فعل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن الخطاب يخشى على القرآن الضياع أو النسيان، وكان يرى فيه الخير، فظل أبو بكر يرفض، وعمر يكرر دعوته حتى وافق أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين.

 

رويَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ..." (2)

 

بعد الغضب:

يتصرف الواحد منا في غضبه تصرفات فيها الكثير من الأخطاء، ولعله يندم عليها بعد هدوئه وزوال أسباب الغضب، والكبار لا يضيرهم أبدًا أن يعملوا على إصلاح ما أفسدوه في لحظات الغضب، ولا يُكابرون في ذلك، بل ويُسارعون إلى الاعتذار إذا كان الأمر يستوجب الاعتذار، ويُصلحون من شأن ما أتلفوه إذا كان الأمر يستدعي الإصلاح، وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي غضبه بطيء متأخر، وفي نفس الوقت سريع العودة إلى الجادة والصواب متى أفاق من غضبه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ".... ثُمَّ ذَكَرَ الأَخْلاقَ فَقَالَ يَكُونُ الرَّجُلُ سَرِيعَ الْغَضَبِ قَرِيبَ الْفَيْئَةِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ وَيَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْئَةِ فَهَذِهِ بِهَذِهِ فَخَيْرُهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْئَةِ وَشَرُّهُمْ سَرِيعُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْئَةِ قَالَ وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ تَتَوَقَّدُ أَلَمْ تَرَوْا إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَجْلِسْ أَوْ قَالَ فَلْيَلْصَقْ بِالأَرْضِ" (3).

 

سرعة العودة:

لا يختلف اثنان على أن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم هم خير الناس وأتقاهم "خير الناس قرني ثم الثاني ثم الثالث ثم يجيء قوم لا خير فيهم"(4)، ومع ذلك فإنهم لم يكونوا معصومين، ولم يدَّعوا العصمة لأنفسهم بل إنهم إذا أخطأوا سارعوا بالعودة والإنابة.

 

وهكذا الكبار دائمًا فإنهم لا يُصرون على خطأ وقعوا فيه أبدًا، بل يُسارعون إلى الاعتراف به، وتصحيح الوضع القائم ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 135).

 

والكبار إذا أصابهم ما يُصيب البشر من الخطأ والنسيان عادوا مسرعين ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 201).

 

فرصة للمراجعة:

الإسلام لا يُنكر ما يُمكن أن يحدث بين الأخوين المتحابين في لحظات الضعف البشري، من اختلاف في القلوب، ومشاحنات في الصدور، وأحيانًا تخاصم وتنافر، والرسول صلى الله عليه وسلم دل على أنه لا يجوز أن يهجر الأخ أخاه فوق ثلاث، وما هذه المهلة الممنوحة إلا ليُراجع كل واحد منهما نفسه من جديد، وما تعليق أعمالهما عندما تُعرض يومي الإثنين والخميس حتى يصطلحا إلا مزيدًا من الفرص كي يُراجعا نفسيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا" (5).

 

وفي رواية عند الترمذي "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر فيهما لمن لا يشرك بالله شيئًا إلا المهتجرين يقال ردوا هذين حتى يصطلحا"(6).

 

الله يُعلِّمنا:

والله تعالى يُعلِّم عباده مراجعة أنفسهم، وتصحيح مسارهم فيُمهلهم عندما يُخطئوا ولا يُعجل لهم بالعقوبة، وهي إشارة إلى ضرورة أن يراجع الإنسان نفسه أولاً بأول، ولا يُطيل على نفسه الأمد فيقسو قلبه ويألف المعصية "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا"(7).

 

وما الإمهال إلا نوع من إعطاء الفرصة لمراجعة النفس، وتصحيح المسار، وتعديل الخطأ الواقع.

 

بل إن الله تعالى يجعل مجرد الاعتراف بالذنب والتوبة عنه كفيلان بقبول توبة التائب، وهذا هو الرجوع إلى الحق بعينه جاء في الحديث "فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْه"(8).

 

تحذير:

والكبار يدركون حجم الإصرار على خطأ ارتكبوه، أو التمسك بباطل وقعوا فيه، ويعتبرون ذلك مكابرة قد تؤدي بهم إلى غضب الله، والوقوع فيمن شملهم العذاب، من المُصرين على أخطائهم، جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ"(9).

 

والكبار يعلمون أن الإصرار على الذنب وعدم الرجوع إلى الحق بعد أن تبين لهم يُعد نوعًا من الكبر المنهي عنه، وقد يؤدي إلى ورودهم العذاب الشديد قال تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة:206).

 

الجدل والتبرير:

صغار النفوس هم الذين يبحثون عن الأعذار والأوهام، كي يقدموها ليُخفوا خلفها خطأهم، ويُداروا بها عيوبهم، فيستمرون في خطئهم الذي بدأوه، وهم بذلك قد أضروا أنفسهم قبل أن يضروا غيرهم، وأساءوا إلى أنفسهم قبل أن يُسيئوا إلى غيرهم.

 

وقد يكون السبب وراء استسهال هذا التبرير وعدم الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الحق هو أن يكون صاحب هذا السلوك قد أُوتي جدلاً، ولحنًا في القول، وقدرة على البيان والإقناع ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف:54).

 

ومن أمثلة هذا، الذي حكى عنه القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة:204).

 

فهذا الصنف شديد الحجة، قوي البيان، لدرجة أن الله قد وصف حديثه أنه سيُعجب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

فارق بين حالتين:

وحتى تقترب الصورة أكثر وأكثر أخي القارئ، فإننا لدينا حالتان: حالة يمكن الاستدلال بها كصورة من صور الضعف، ومحاولات التبرير، وقلب الحقائق والإصرار على الخطأ والتمادي في الباطل، وحالة أخرى يُمكننا الاستدلال بها كنموذج للمراجعة والتصحيح، والاعتراف بالخطأ والعودة إلى الصواب، وتصحيح المسار.

 

إبليس: هو النموذج المُخطئ والصورة السيئة، فربه قد أمره بالسجود فأبى، فلما سأله عن السبب ﴿... يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ (طه:75)، برر موقفه، وجادل بالباطل، وأصر على موقفه ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (طه:76-78).

 

آدم: وهو النموذج المصيب، والصورة الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها الكبار دائمًا، فآدم عليه السلام أيضًا أخطأ، فربه أسكنه الجنة، يأكل من خيراتها، وينعم بما فيها من رزق، ونهاه عن شجرة واحدة ﴿وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف:19).

 

ثم عصى آدم ربه فأكل من الشجرة، وسأله ربه وهو أعلم به ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (الأعراف:22).

 

فسارع آدم وزوجه بالرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ، والمطالبة بالعفو والمغفرة ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف:23).

 

محاسبة النفس:

والكبار يحاسبون أنفسهم على أقوالهم وأفعالهم، فإذا كانت خيرًا حمدوا الله، وإن كانت غير ذلك عَدَّلوا من أنفسهم وقوموها، ويُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أنه قَالَ: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا"(10).

 

الرجوع إلى الله:

والعودة إلى الله أحق من أي شيء، فإذا قصَّر العبد في حق ربه فعليه بالمسارعة بالتوبة والعودة من جديد، والكبار هم الذين يُحدثون لكل ذنب توبة، ويجعلون دُبر كل عمل استغفارًا، فهم يستقبلون رسائل الله لهم ويفهمونها فيُسارعون بالاستجابة لندائه.

 

ومن الرسائل: التي يرسلها الله لعباده حتى يعودوا "الابتلاء" قال تعالى ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (السجدة:21).

 

ومن الرسائل: إظهار الفساد المترتب على أعمال العباد ليلفت نظرهم، ويُراجعوا أنفسهم ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41)

 

ومن الرسائل: إظهار الآيات البينات الواضحات الآية تلو الآية ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف:48).

 

ومن الرسائل: إنزال العقوبة على أقوام استحقوا ذلك فيتعظ بهم من حولهم أو يكون ذلك حجة عليهم ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأحقاف:27).

 

والكبار يخافون أن يُصبحوا ممن أشار عنهم القرآن في قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:43).

 

البطانة الصالحة:

الكبار يتخذون صحبة صالحة، وبطانة تُذكرهم عند النسيان، وتقومهم عند الخطأ، وتأخذ أيديهم عند الإسراف.

 

والكبار يبتعدون كل البعد عن البطانة التي تمدح ولا تنصح، وتُبالغ في إبراز المحاسن بطريقة تؤدي إلى العُجب والبطر وتغض الطرف عن المساوئ وإن كانت من النوع المهلك، جاء في الحديث "إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه"(11).

 

الاعتداد بالرأي:

صغار النفوس هم الذين يتعصبون لآرائهم ولا يقبلون بغيرها حتى وإن كان هذا الغير أعمق من رأيهم فكرًا، وأكثر منه نفعًا.

 

أما الكبار فهم الذين يحملهم تواضعهم على قبول الرأي الآخر، وتقديره والثناء عليه متى كان فيه الخير والصواب رافعين شعار "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب".

 

والكبار لا يُقدسون أنفسهم فيدعون العصمة من الخطأ، ولا يستخفون بآراء الآخرين أو يُسفهونها كي لا تتضح معالم الخطأ في قراراتهم.

 

وهم يسيرون في ركب الأقوياء فيصححون ما وقعوا فيه من خطأ متى ظهر لهم ذلك، ويُقوّمون من اعوجاجهم متى نصحهم أحد بذلك.

 

الوصاية:

ومن الأسباب التي تجعل الناس يرفضون الرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ، اعتبار أنفسهم أوصياء على فكرة أو مؤسسة أو شركة يديرونها، فيحملهم ذلك الإحساس على رفض الآخر، وعدم الاستجابة السريعة لآرائه ومقترحاته خوفًا من سقوط الفكرة، أو انهيار المؤسسة، أو ضياع الشركة.

 

والكبار هم الذين ينأون بأنفسهم عن ذلك، بل يُشركون غيرهم معهم، ويعتبرون الجميع شركاء في بناء الفكرة، ونجاح المؤسسة، وإدارة الشركة.

 

التقارير الخاطئة:

ومن الأسباب التي تجعل الإنسان لا يستجيب للحق، ويُبطئ في رجوعه إليه، أن تكون التقارير المرفوعة إليه تقارير كاذبة، خادعة، غير حقيقية، يرفعها إليه بطانته وسدنته من المستنفعين، والمتملقين الذين يُزينون الباطل، ويُجملون الخطأ، فيظهرونه في أحسن صورة، جاء في الحديث "إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه إذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه"(12).

 

والكبار هم الذين ينزلون إلى الميدان بأنفسهم فيطلعون على الواقع بعيونهم، ويتعرفون على الصواب والخطأ فيما ولُّوا بأنفسهم، فيسارعون بالتصحيح، ويجتهدون في التعديل والتقويم.

-----------------

yuomna@hotmail.com

1- حسن، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم (4515).

2- صحيح البخاري- باب جمع القرآن رقم (4603).

3- مسند أحمد ح رقم (11158)، وفي سنن الترمذي ح رقم (2117) وقال الترمذي حسن صحيح، وقال الألباني في جامع الترمذي ضعيف لكن بعض فقراته صحيح.

4- حسن، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم (3293).

5- صحيح مسلم ح رقم (4652)

6- رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه الألباني في جامع الترمذي ح رقم (2023)

7- صحيح مسلم ح رقم (4954)

8- صحيح البخاري ح رقم (3826)

9- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم (897)، ورواه أحمد في مسنده ح رقم (6255)

10- سنن الترمذي برقم (2383) وقال حديث حسن، وضعفه الألباني في جامع الترمذي ح رقم (2459)

11- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم (302)

12- صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع ح رقم (302)

ارسال در تاريخ پنجشنبه یکم مرداد 1388 توسط

فرعون.. من يصنعه ومن يمنعه؟


مروة شاكر

/ 29-06-2009

"يا فرعون إيش فرعنك.. قال ما لقيتش حد يردني".. مثل دارج تبلور به العامية المصرية أسباب ظهور الفراعين؛ فللمجتمعات دورها في إذكاء تلك الظاهرة، وجعل الفرعون المستبد يتمادى في استبداده.

لكن متى يطغى الحاكم؟ هل هي سمات أصيلة في شخصيته، أم أنها نتيجة للسلطة والجاه؟.. وبالتبعية: هل للمجتمعات دور في إذكاء تلك الفرعونية عن طريق سلبيتها واستكانتها؟ ثم أخيرا كيف يواجه هذا الطغيان؟ هل هي ثورة تطيح بالفرعون لتضع مكانه فرعونا آخر.. أم إن أسلوب التعامل يختلف من حالة لأخرى؟.

حول مفهوم الطغيان أو الفرعونية دارت حلقة هذا الأسبوع من برنامج مدارك، تحت عنوان "الطغيان.. فرعون نموذجا"، والتي أذيعت على قناة أنا الفضائية الخميس 25/6/2009، حيث حاول د/ محمد المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر أن يجيب فيها على كل الأسئلة السابقة، وأن يقدم تعريفا لمفهوم الفرعونية من خلال القرآن، وعبر دراسته لبنية القصص القرآني.

المنظومة الفرعونية

الاستبداد أشد أنواع الطغيان، حينما يطغى الحاكم على المحكومين تدخل المجتمعات في نفق مظلم، فالفرعونية نظام هندسي معقد، فيه من خيارات المجتمعات، ومن إرادات الأنظمة، وسياقات الثقافات، ما يجعل من عملية تحليله أمرا مركبا.

 

 د. محمد المهدي

وقد استهل المهدي حديثه بشرح لمعنى الفرعونية حيث قال: "هي منظومة ونموذج سلوك، تمثل بذورا في النفس البشرية، قابلة للتكرار في كل زمان ومكان".

واستدرك: "لكن في مصر بالذات كانت الفرعونية واضحة جدا؛ لأن المجتمع المصري مجتمع نهري وإدارة النهر كانت تستوجب حكومة مركزية قوية، هذه الحكومة المركزية تقوت لتدير النهر، لكنها تضخمت في مصر القديمة وتفرعن الحكام وتضخمت ذواتهم، وتوحدوا مع كرسي الحكم، فنشأ الكثير من أشكال الاستبداد".

وفرق المهدي بين الفرعونية والحضارة المصرية القديمة، موضحا أن الحضارة المصرية القديمة هي نتاج لعلم وأدب وفن وقيم دينية، وجهود أنبياء وجهود فلاسفة وعلماء وحكماء، ولهذا فهي حضارة مبهرة.

أما الفرعونية -بحسب المهدي- فهي منظومة مرضية في داخل هذه الصورة، وليست كل الصورة، والفرعونية لا تتمثل في شخص الحاكم وحده، بل هي الحاكم والوزير أي فرعون وهامان وكذلك الجنود (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين).

كيف تكتمل المنظومة؟

استمع إلى الحلقة

وأكد المهدي أن المنظومة الفرعونية لا يمكن لها الاكتمال إلا بموافقة شعب خاضع ومستلب وقابل للإيحاء، وفاقد للهوية والقدرة على القراءة النقدية للأشخاص والمواقف، ويسلم قياده لمن يقوده.

واستطرد: "وهي منظومة مرضية، تبدأ بحاكم يستمر فترة طويلة في الحكم فيتوحد مع السلطة وتتضخم ذاته، فيقرب إليه من يساعده على التضخم أكثر، فيلتف حوله الانتهازيون والمستغلون، فتتكون حاشية فاسدة، تثبت أركانه وتعاظم نرجسيته لدرجة تجعله يبتلع الناس والمجتمع كله، فتصبح هالته وسلطته أكبر من البلدة التي يحكمها".

ويشير إلى أن الجماهير تسهم أحيانا في صنع المستبد، بل تكون وقودا لصنع المستبد عندما يخضعون له، مما يدعمه في استبداده.. كما يبرز الاستبداد أيضا في إلغاء أو استبعاد أو استنكار الآخر، فالشخص الذي يكفر ويخون ويكذب هو منظمة استبدادية، مهما تلحف بشعارات ومبادئ جميلة.

المستبد العادل

وعن مفهوم "المستبد العادل" أكد المهدي أنه مفهوم خاطئ يسعى إليه بعض المفكرين، مشيرا إلى أن محمد عبده هو من دعا إلى هذا المفهوم في بداية الأمر، حيث كان يرى أن الشرق في حاجة إلى مستبد عادل، وكأنه يأس أن يجد حاكما عادلا يقوم حكمه على المشاركة وأمر الشورى.

ورفض المهدي استشهاد بعض الذين كانوا يستشهدون بعمر بن الخطاب على أنه المستبد العادل، مؤكدا أنه ليس كذلك؛ لأن المستبد لحظة استبداده ينتفي عدله تماما، معللا بأن المستبد معناه أنه ملك كل الخيوط في يده وظن أنه يملك الحقيقة المطلقة، مستبعدا كل العقول الأخرى، واضعا نفسه في موضع السمو، فالاستبداد هو أصل كل فساد؛ وعمر بن الخطاب كان حاكما حازما وليس مستبدا.. حسب تعبير المهدي.

استبداد باسم الله

ووصف المهدي الاستبداد بـ"اسم الله" بأنه أشد أنواع الاستبداد مؤكدا أن هذا النوع هو الذي نشأ في الفرعونية القديمة؛ فالكهنة ورجال الدين تمتعوا بامتيازات كثيرة، ومقابل هذا أعطوا الحاكم شرعية دينية، وجعلوا طاعته من طاعة الله، وفي مراحل تالية جعلوه هو الإله وأعطوه شرعية دينية عالية، واعتبروا من يخالفه خارجا عن الشرعية الدينية، هنا جاء الاستبداد باسم الإله وتكرر هذا الاستبداد "باسم الله" كثيرا.

طالع: مدارك.. حلقات نقد المفاهيم على قناة أنا

وتحدث في مثال آخر عن الحاكم بأمر الله، ويرى المهدي أن التسمية طالفي ذاتها "استبداد"، لأنه يحكم بأمر الله على هواه، ويعطي لهذا الهوى الشرعية باسم الله، فلا راد لأمره، ولو كان استبدادا بشريا لكان فيه بعض اللين، لكن عندما يتلحف بالعباءة الدينية ويحتمي بقداستها يصبح استبدادا غير قابل للمناقشة.

وفي مراحل الانحدار الإسلامي أكد المهدي أن عالم الدين كان يأخذ قداسة تعطيه رخصة يقول من خلالها ما يشاء، كما وصف الكنيسة القديمة بأنها تشكل أخطر أنواع الاستبداد؛ لأن كل ما عداها خطأ، وأنها الفرقة الناجية، وجميع الفرق هالكة، كما أنهم كانوا يتكلمون وكأنهم يلقون بالكلمات المقدسة فلا يصح مراجعتهم.

الخصائص النفسية للمستبد

ويرى المهدي أن الشخصية الطاغية المستبدة تنتمي أكثر إلى الشخصية "البرانوية" أو "السيكوباتية"، أو "النرجسية" وفي تحليل للشخصيات الثلاث قال: "البرانوية هو شخص مستبد وقاس لا يعرف معنى الحب، ويعيش بقانون السيطرة، ويحتقر الآخرين ويسيء الظن بهم، ولا يشعر بالأمان تجاههم، ولهذا يسعى دائما لامتلاك القوة والسلطة والتحكم، ويحاول أن يعلو فوق الناس".

أما الشخصية النرجسية فهو "معجب ومتمحور حول ذاته، ويهتم بكل ما يخص نجوميته وشهرته، لا يستطيع أن يحب أحدا لكنه يطلب الحب والتكريم من كل الناس، ويشعر أنه محور الكون وأن ذاته ذات مقدسة".

والسيكوباتي "كذاب ومخادع ومحتال لكنه ساحر، يوهم من حوله أنه يعمل لصالحهم ويستغل نقاط الضعف، وكل الفرص المتاحة ويخادع ويناور ليحقق مصلحته"، "وأغلب المستبدين في العالم كانوا مزيجا من الصفات الثلاث".

كيف يواجه الاستبداد؟

وعن كيفية مواجهة الاستبداد قال :"هنا يأتي دور قادة الرأي والفكر في مواجهة الاستبداد وليس الجماهير، لأن الأخيرة دائما تحتاج لمن يقودها، و"المنظومات الفرعونية" دائما لا تنتهي على يد جماهير، بل تنتهي على يد جماهير يقودها قادة رأي، والجمهور يشارك حين يقتنع بقائد يقوده لمواجهة المنظومة الاستبدادية، ولابد أن يتمتع هذا القائد بالكاريزما والصدق حتى يصدقه الجماهير ويتبعوه.

وعن نموذج الإصلاح الجذري أكد المهدي أن له مخاطر كثيرة؛ لأنه يحتاج إلى مواجهة بين الشخص والسلطة الحاكمة، فيحدث صراع دموي مدمر لكل الأطراف، لهذا يكون خيارا مخيفا وثمنه باهظ.

وتحدث المهدي عن الخطوات المفترض اتباعها للتصدي للاستبداد أو لأخذ مناعة منه فقال "المجتمعات البشرية بعد صراع طويل مع المنظومة الفرعونية وضعت ضوابط ونظما تمنع هذا المرض من التفشي، مثلا حاولوا ألا يستمر الشخص في السلطة فترة طويلة في الحكم؛ فمهما كانت قدراته ومواهبه فلا يستمر أكثر من فترتين في النظم الديمقراطية؛ لأنه حينما يستمر لمدة طويلة في الحكم ثم ينتزع من منصبه يحدث انهيار في النظام".

وفي حل آخر اقترحه المهدي: "أن يكون حكم مؤسسات ويكون على رأس هذه المؤسسات فرد توضع عليه ضوابط وحدود جغرافية وسلطوية وزمنية، حتى لا يدخل في هذا المرض"، مؤكدا على ضرورة تقوية المجتمع حتى يظل حيّا ونشطا، ولا يتحول إلى قطيع تذوب قدرته على القراءة النقدية للأشخاص والمواقف، وبالتالي لا يستطيع أن يحمي نفسه بنفسه.


من أسرة إسلام أون لاين .نت

ارسال در تاريخ چهارشنبه سی و یکم تیر 1388 توسط

المستبد العادل..سبائك القمع الخالص

بلال مؤمن / 20-07-2009


في خضم محاولات المثقفين العرب الباحثة عن علل الذات، وتحديد أسباب الأزمات وسبل الخروج منها تأتي دراسة الدكتور محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة حول ظاهرة الاستبداد، وهي محاولة لاستقراء تاريخ الاستبداد في الواقع السياسي العربي في الفترة من نهايات القرن التاسع عشر للميلاد وحتى نهاية القرن العشرين.

وينطلق الباحث من ملاحظة أولية مفادها ارتباط التاريخ السياسي الإسلامي والعربي في مجمله بالشخوص والأفراد في ظل غيبة للمؤسسات والأفكار الدافعة للتغيير؛ فمنذ الخلافة الراشدة ثم الملك العضود وحتى الآن نكاد لا نشهد تحولا في مسار الفكر والواقع السياسي العربي، وذلك على العكس من مسار الواقع السياسي في المجتمعات الغربية التي ارتبط فيها الواقع السياسي بالنظريات والفلسفات السياسية السائدة.

وحين أراد الباحث أن يحلل هذا الجمود خلف مسار الواقع السياسي العربي في العصر الحديث انكشفت له فكرة (المستبد العادل)، وهي فكرة تناولتها بعض أدبياتنا السياسية المعاصرة بين مؤيد ومعارض، وهي إلى الفكرة أقرب منها إلى النظرية؛ فالنظرية تتصف بالإطلاق الزماني والمكاني فلا ترتبط بأمة معينة ولا بزمان بعينه، والتجربة وحدها يمكن أن تنفيها وتثبت قصورها. أما المستبد العادل في أدبياتنا السياسية المعاصرة فهو ليس أكثر من حل مؤقت لفترة تاريخية معينة وفي سبيل ديمقراطية منشودة.

الجاهلية الثانية

المؤلف: محمد عفيفي

الناشر: المجلس الأعلى للثقافة-القاهرة

سنة النشر: 2008

عدد الصفحات: 94 صفحة

لقد أخذ مصطلح (المستبد العادل) يتخلل كتابات بعض الإصلاحيين حين ظنوا في الشعوب العربية عدم القدرة على استيعاب معاني الحياة الديمقراطية والنيابية، وتخلفها عن إرساء دولة المؤسسات، ومن ثم فلا مناص للأمة من مستبد عادل قادر على تخليص الأمة من الاحتلال الأجنبي، وبمقدوره أن يفتت عظام الشعب فتصير في يديه كتلة واحدة يتجه بها إلى الإصلاح ويقيها شر التمزق والاختلاف.

ومن الجائز أن يكون فشل المشروع الإصلاحي الأول في القرن التاسع عشر-كما يذهب عفيفي- السبب الرئيس وراء تلك الردة الفكرية، ولكن يبقى لهذا كله نتيجة واحدة هي سيطرة أسطورة البطل المخلص أو الحاكم السوبرمان على العقل الجمعي العربي وغياب دولة المؤسسات والحياة النيابية.

وهو ما يثير لدى الباحث عددا من التساؤلات، مثل:  كيف يكون المستبد عادلا؟ وهل خرج العقل العربي من عبادة الأصنام في الجاهلية الأولى إلى عبادة المستبد العادل في الجاهلية الثانية؟ وهل يمكن أن ينجح المستبد العادل في بيئة ديمقراطية، أم أن هذه البيئة طاردة لأمثال هؤلاء؟

صناع الوهم

ترتد فكرة المستبد العادل -حسب المؤلف- إلى الإمام محمد عبده الذي أرسل إلى الجامعة العثمانية عام 1899 مقالا بعنوان "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل"، فكان بذلك أول صانع لذلك الوهم الذي سيطر طويلا على المخيلة السياسية للعالمين العربي والإسلامي، وقد أراد بذلك أن يرد على من يقولون إن صلاح الشرق إنما يكون بالأخذ بالحياة النيابية والدستورية مسايرة للغرب.

أما الإمام وهو المتدرج دائما في رؤاه الإصلاحية فقد رأى أن الأخذ بالنظام النيابي دون تهيئة الناس على كيفية تقبله قد يؤدي إلى انتكاسة خطيرة، بينما البدء بالمشروع التربوي والارتقاء بالأمة إلى المستوى المطلوب لممارسة الحياة النيابية هو أفضل السبل، فالعجز عند الإمام لم يكن في الحياة النيابية ذاتها، وإنما في قدرة شعوب الشرق على  تفهمها وكيفية الاستفادة منها.

يفتتح الإمام مقاله الشهير بعبارة دراماتيكية يقول فيها: هل يعدم الشرق كله مستبدا من أهله، عادلا في قومه، يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنا.

ويسوق الباحث عددا من الملاحظات على مقال الإمام:

أولها: أن هذا الحاكم المستبد ليس غريبا على الشرق فهو ليس بالمستعمر ولا بالدخيل، وإنما هو من أهله على حد تعبير الإمام.

ثانيها: أن ما يمكنه من الإصلاح والقيام بدوره المنوط به هو العدل، في حين أن الاستبداد ليس أكثر من أداة في يديه يدحض بها الخصوم والمتناحرين، وهذا ما دفع الكاتب لأن يتساءل عن كيف يكون الشخص مستبدا وعادلا في ذات الوقت؟

أما ثالثها: فهو عن تحديد فترة العدل المصحوبة بالاستبداد، أو الاستبداد المصحوب بالعدل  في خمس عشر سنة يتمكن خلالها من تأهيل الشعب للديمقراطية والحياة النيابية.

وقد حدد الإمام المهام الأولى للمستبد العادل في توحيد الصف "مستبد يكره المتناكرين على التعارف، ويقهر الجيران على التناصف"، بعد ذلك يبدأ العادل دوره التاريخي في إرساء قواعد الديمقراطية، حيث وضع الإمام جدول أعمال تدريجي للديمقراطية في الشرق يبدأ بتشكيل المجالس البلدية، ثم يليها المرحلة الثانية التي يسميها الإمام بمجالس الإدارة التي يجب أن تكون فاعلة حتى تستطيع أن تتولد منها حزمة من الآراء والأفكار. وبانتهاء تلك المرحلة تكون الأوضاع مناسبة لتشكيل المجالس النيابية التي هي أعلى مراحل الديمقراطية.

وإذا كان التوجه التدريجي نحو الديمقراطية فيما يرى محمد عفيفي يتسق ومنطق الإمام الإصلاحي، فإن فكرة المستبد العادل لا تتسق وهذا المنهج، ومن الصعب فهم أسباب تبني الإمام لمثل هذه الآراء بمعزل عن الظروف التاريخية التي كتب فيها المقال والمتمثلة في انهيار الخلافة، واجتياح الاستعمار الأوروبي للبلدان العربية والإسلامية، وفشل الهبّات الوطنية باختلاف مسمياتها، ولعل هذا هو السبب في أن الإمام لم يحاول أن يؤصل للفكرة تأصيلا دينيا بل قدمها في إطار عقلي بحت، وربما يكون الإمام كذلك قد تأثر أثناء قضائه سنوات المنفى في أوروبا ببعض نماذج الإصلاح السياسي في أوروبا ونظرية الرجل العظيم كما جسدها نابليون وبسمارك، وهي نماذج لا يمكن التسويغ لها دينيا.

على أية حال لقد نجح الإمام كما يرى عفيفي- في ترسيخ نموذج المستبد العادل في العقل الجمعي العربي، وبمضي الوقت أصبح مسارا للجدل في أوساط الإصلاح السياسي في النصف الأول من القرن العشرين، وأضحى النموذج الأمثل للحركات القومية في النصف الثاني منه.

غير أن هذه الفكرة لم تحظ بالقبول الدائم في أوساط المفكرين والإصلاحيين بل كان هناك من تلاميذ الإمام نفسه من كانوا ينتقدونها ويثبتون قصورها.

المستبد العادل حلم الثلاثينيات

على رأس هؤلاء يبرز المفكر لطفي السيد الذي رفض الجمع بين الاستبداد والعدل في نموذج واحد؛ وذهب إلى كونها  فكرة خيالية ولا سند لها من الواقع، ويبدو أن البعض قد حاول الربط بينها وبين الخلافة الرشيدة وهو ما يعترض عليه السيد، وحجته في ذلك أنه تاريخيا وفي ظل الخلافة الراشدة كان من الصعب على الحاكم أن يتعدى حدود الله، ومصلحة الرعية كانت في تطبيق حدود الله، ويقيم السيد رابطا ما بين مفهومي حدود الله في التاريخ الإسلامي والقانون في التاريخ الحديث.

ويتجه لطفي السيد لنقد فكرة المستبد العادل نقدا عقليا خالصا، ويراه ما هو إلا حلم غير واقعي حيث يقول: "ما أظن الاستبداد العادل في عقول أنصاره إلا أمنية يتمنونها لمثل أعلى من حكومة موحدة الكلمة قوية البطش بعيدة عن الشهوات الحزبية والفردية سريعة الحركة لا كالحكومات النيابية". معتبرا بذلك أن أحد أهم عوامل انتشار نظرية المستبد العادل إخفاق المشروع الليبرالي.

ويستعرض عفيفي بعض الآراء التي حاولت أن تفسر أسباب فشل التجربة الليبرالية العربية، وذلك على الرغم من دخول الحياة النيابية والدستورية باكرا في مصر وتونس؛ إذ عزاها البعض إلى تفشي روح البداوة والعقلية القبلية التي أدت إلى تشرذم العرب وتخلفهم عن التجديد.

في حين أرجعها البعض الآخر إلى أن الديمقراطية والحياة النيابية قد فرضت من قبل أقلية حاكمة تجاهلت الطبقة الوسطى ولم تستطع أن تنقلهم إلى مفهوم المواطنة، بينما ذهب البعض إلى أن الموقع الجغرافي الذي أدى إلى الحضور الطاغي للغرب في عالمنا العربي نتج عنه الربط بين مفاهيم الإصلاح الغربية وبين الاستعمار وحركات التغريب، وهو ما أسفر عن حدوث تلك الردة الفكرية والمتمثلة في العودة إلى الأصولية الإسلامية، بينما ارتأت فئة أخيرة أن الغرب لم يكن مخلصا في نقل خبرته الليبرالية إلى العالم العربي.

لم ينته حلم الحاكم المخلِّص أو السوبرمان تماما، بل صار للنظرية التي حاربها لطفي السيد أنصار ومؤيدون، فقد كان لآراء عبده حول المستبد العادل أصداء في الشام على يد عبد الرحمن الشاهبندر في ثلاثينيات القرن العشرين، وبصرف النظر عن كون التأثير مباشرا أو غير مباشر فما يهم في نظر(عفيفي) هو مدى اتساق الآراء.

فالديمقراطية والحياة النيابية عند الشاهبندر إنما تكون ضرورية للدول التي تقع تحت الانتداب والاستعمار، إذ يتم توظيف الديمقراطية في مواجهة الاستعمار، ولكن ما إن تنال هذه الشعوب استقلالها فلا حاجة لها إليها، إنما حاجتها تكون إلى "يد مستبدة تنقذه من الفوضى التي تتخبط فيها أكثر الأمم الحاضرة، خصوصا من كان منها مثلنا حديث عهد بالشئون الدستورية ولم يتجهز بعد أبناؤه بالتربية التي تؤهلهم لمثل هذا الحكم الدقيق".

لقد وجه الشاهبندر سهام نقده إلى التجارب النيابية التي عرفتها مصر منذ تأسيس مجلس شورى القوانين 1866 واتهمها بالقصور؛ وذهب إلى القول إنه في الوقت الذي كانت فيه الدول العظمى تبني وتعد العدة للحروب القادمة كانت مجالسنا النيابية تبحث في قضايا هزلية –من وجهة نظره- مثل الحجاب وشكل الغطاء الذي يسدل على المرأة، ويرجع الشاهبندر فشل الحياة النيابية في العالم العربي إلى ضعف الطبقة الوسطى و"انقسامنا إلى طبقتين اثنتين متطرفتين عامة وخاصة لا وسط بينهما".

واستنادا إلى هذا يدافع الشاهبندر عن حكم الفرد المستبد ملخصا أسباب ذلك في عدة أسباب، أهمها: نقص الثقافة، وتفشي الجهل والأمية آنذاك، وخوفه من أن تؤدي الديمقراطية إلى التمزق وتفتيت وحدة الصف، وفترة الاستبداد لديه -كما الإمام- ليست مطلقة وإنما هي فترة مؤقتة إلى حين تأهب شعوبنا للديمقراطية والحياة النيابية.

ولعل أهم ما يميز رؤية الشاهبندر لنظرية المستبد العادل – إذا جازت التسمية- كونه أول من نظّر لنموذج الديكتاتورية العسكرية في المشرق العربي حين أشاد بالثورة التركية وبزعيمها كمال أتاتورك القائد العسكري الذي أنقذ بلاده من المحتل الأجنبي.

وعدد الشاهبندر بعض خصال الزعيم فهو الفرد من النساء أو الرجال، والذي يستطيع أن يجمع حوله المريدين والأنصار في سبيل تحقيق غاية عامة ومن خلال قدرته على التأثير فيمن حوله بشخصيته الباهرة وقدراته الخطابية المذهلة، ولعل عبارات الشاهبندر –كما يراها عفيفي- كان لها كبير الأثر في تصور اللاحقين لمفهوم الزعامة فيما بعد ثورة يوليو 1952.

عبد الناصر وتجسيد الحلم

ويمضي المؤلف محاولا أن يكتشف تجليات نظرية المستبد العادل في الواقع السياسي العربي، ففي حين رأى في النصف الأول من القرن الماضي عصر التنظير لنظرية المستبد العادل كما يحلو له أن يسميها؛ فقد رأى في النصف الثاني من القرن ذاته عصر تحول الفكرة من النظرية إلى التطبيق ومن الإمكان إلى الوجود.

ولم يكن أمام محمد عفيفي خير من جمال عبد الناصر لينظر في مدى تمثله لنظرية المستبد العادل، وهنا نلحظ أن عفيفي قد اعتمد في مقاربته لاستبداد جمال عبد الناصر على مذكرات ثروت عكاشة، وهو أحد رجالات عبد الناصر المقربين وأحد الضباط الأحرار.

 غير أن هذا كله لم يحل دون أن يتعرض لعبد الناصر بالنقد الموضوعي، وإن لم يذهب قط إلى حد التشكيك في وطنيته، وتوصل عفيفي من خلال مذكرات ثروت عكاشة ما يؤكد اطلاع ناصر على نظرية المستبد العادل وتأثره بها، وتتجلى تلك التأثيرات في النقاط التالية:

1- أن عبد الناصر كان يرى ضرورة تمركز السلطة في يديه ليكون له حق اتخاذ القرار وقتما يشاء، وحتى لا يحدث تناحر بين من حوله.

2- تحمله أعباء المسئولية السياسية وحده، وهي ما يستحيل على أي فرد أن يضطلع بها بمفرده مهما أوتي من مواهب وقدرات.

3- وأما عن موقف ناصر من الديمقراطية وهو أحد مبادئ الثورة التي لم تتحقق أبدا، فقد كان عبد الناصر يرى -ربما مسايرة لنظرية المستبد العادل- ضرورة أن تكون هناك فترة انتقالية تنتقل فيها الدولة من الحكم الفردي إلى الحكم الديمقراطي، وفى هذا يقول عكاشة "كان يرى أن فترة حكمه التي سلفت كانت فترة انتقالية ولكل فترة استثنائية نهاية تنتهي عندها، وبعدها لابد أن يأخذ نظام الحكم شكلا آخر تكون فيه السلطة موزعة بين مسئولين عدة لا مسئول واحد حسبما يقضى النهج الديمقراطي".

4- ويعتبر المؤلف أن نظام ناصر على مستوى الحريات الفردية قد سقط ضحية منظري المستبد العادل، وفي هذا يقول الشاهبندر: "نحن نفادي بحرية بعض الأفراد الممتازين الغالية مؤقتا في سلامة مجموع الأمة من التناحر والفوضى".

على أية حال لقد ترك منظرو المستبد العادل مخيلة العقل الجمعي العربي أسيرة تصور الحاكم البطل أو السوبرمان، وهنا يتوقف الباحث أمام رثاء الشاعر نزار قباني لعبد الناصر لافتا الانتباه إلى أنه نعته تارة بالهرم الرابع، وتارة بآخر الأنبياء وبأننا نحن قاتلوه.

حاول الباحث أن يجعل من المستبد العادل نظرية سياسية عربية معاصرة لها منظر هو الإمام محمد عبده، ولها تلامذة حاولوا تطويرها والإضافة إليها، وفي المحصلة سعى محمد عفيفي من وراء كتابه أن يخلخل أسطورة الحاكم الفرد في العقل الجمعي العربي، ولعل هذه المحاولة أن تكون نواة للعديد من الدراسات اللاحقة التي تسعى إلى نفس الغاية.


باحث في الفلسفة
ارسال در تاريخ چهارشنبه سی و یکم تیر 1388 توسط

العالم الإسلامي.. أي عالم وأي إسلام!!

بقلم  - نبيل شبيب

وردت كلمة العالَم في صيغة الجمع (العالمين) في القرآن الكريم مرارا، واستخدمت في اللغة

العربية بمعناها المألوف، وصفا لجمع من المخلوقات، يشترك في صفة تميزه عن سواه، وإن كان في نطاقه تنوع وتعدد كبيران، بدءا بكلمة العالم التي تشمل البشرية، مرورا بعوالم الحيوانات والنباتات، انتهاء بما انتشر استخدامه في تعابير العالم الغربي والعالم الإسلامي والعالم العربي وما شابه ذلك، كما انتشر شبيه ذلك الاستخدام المتعدد للألفاظ الأجنبية المرادفة لهذه الكلمة في لغات عديدة.

أولا: دلالات اصطلاحية لكلمة "العالم الإسلامي".

يمكننا القول بادئ ذي بدء إذن، إنه لا يوجد في قولنا "العالم الإسلامي" ما يسوّغ وجود مواقف اعتراضات على استخدام الكلمة أو مواقف تأييد لها، فهي ككثير من الكلمات "الوصفية الحيادية" الأخرى، وإن جرى توظيفها كما لو كانت سببا في بلوغ هدف إسلامي أو القصور عن بلوغه، لهذا يمكن أن نقول العالم الإسلامي المتقدم أو المتخلف، والموحد أو المنقسم على نفسه، دون أن تفقد الكلمة مدلولها الأصلي.

ولكن مواقف التأييد والاعتراض الحماسية أحيانا والمتسرعة أحيانا أخرى (وليس المواقف أو التحفظات المتداولة في دراسات وبحوث رصينة للمتخصصين وفق منهج البحث العلمي) إنما انتشرت تبعا لتعدد أشكال فهم الكلمة، أو توهّم فهمها بربطها بمدلولات من خارج نطاقها، فأصبحت المواقف بذلك مواقف تقويمية، ترتبط بمنطلق صاحب الموقف، وليس بالكلمة ذاتها ومعطيات دلالاتها الاصطلاحية، ولهذا لا يُستغرب أن يوجد أحيانا اعتراض على استخدام الكلمة، دون أن يمنع المعترض من استخدامها بالفعل دون الخشية من وقوع التباس بين من يستخدمها والقارئ أو السامع.

لا نكاد نجد دراسة بحثية متكاملة تناولت كلمة العالم الإسلامي اصطلاحيا، وأعطتها مفهوما يشمل جملة من المواصفات الثابتة؛ إلا أننا عندما نقرأ هذه الكلمة في الكتابات المتداولة بين أيدينا، لا يقف أكثرنا عند مدلولاتها الدقيقة كثيرا، لاسيما أنه غلب علينا تداول جزئي للمقصود من كلمة العالم الإسلامي من خلال تأثير ما يوضع بين أيدينا من الخرائط الجغرافية التي تحمل عنوانه، أو من خلال مسميات منتشرة لمنظمات ما؛ مثل منظمة مؤتمر العالم الإسلامي، أو رابطة العالم الإسلامي، أو ما شابه ذلك.

هل المقصود بالكلمة إذن رقعة جغرافية معينة؟.. ولو صح ذلك فكيف نفهم إذن عبارات من قبيل "الحوار بين العالم الغربي والعالم الإسلامي" أو "الإساءة لمقام النبوة إساءة للمسلمين وللعالم الإسلامي"، أو السؤال (من وحي حديث الساعة أو ما يراد أن يكون هو حدث الساعة الأول): هل يخاطب الرئيس الأمريكي أوباما رقعة جغرافية عندما يعلن أنه يوجه كلمة إلى العالم الإسلامي؟..

العالم الإسلامي.. مصطلحا

د. نادية محمود مصطفى المعروفة بمكانتها المرموقة في الدراسات السياسية والحضارية، تقول في سياق مقدمة دراستها القيمة "الفقه الإسلامي للأقليات المسلمة": "من المصطلحات الشائعة لوصف الإطار الجامع للمسلمين: مصطلح العالم الإسلامي"(1 ).

ولا يخفى التحفظ أو الحذر العلمي في هذه العبارة، وهو ما يشاركها فيه كثيرون، مثل المفكر والسياسي المغربي د. عبد الله إبراهيم، كما يؤخذ من كتابه "المركزية الإسلامية.. المطابقة والاختلاف" وفيه (ص 35).. مع ملاحظة انطلاقه في العبارات التالية من مصطلح "دار الإسلام" باعتباره سابقا من الناحية التأريخية لمصطلح العالم الإسلامي: (يصعب من ناحية تاريخية تحديد اللحظة التي بدأ يُتداول فيها مصطلح "دار الإسلام".. فدار الإسلام لم ترتهن أبدا لمعنى جغرافي مباشر، كانت تتمدد وتنحسر على وفق درجة حرارة البعد الثقافي للإسلام كمنظومة ثقافية يوجهها بعد ديني لتفسير العالم؛ فوحدة دار الإسلام كانت ثقافية بالدرجة الأولى، وجرى باستمرار تهميش للعوامل العرقية والجغرافية، ولكن هذا لا يقصد منه طمسها، إنما هي انتماء طبيعي، فيما العقيدة انتماء ثقافي)(2 ).

هذا البعد الثقافي أو العقدي الحضاري هو ما يعبر عنه بشكل مباشر المدير العام للمنظمة العربية للعلوم والثقافة - إيسيسكو، د. عبد العزيز بن عثمان التويجري، إذ يشير في محاضرة له يوم 26/7/2007م بعنوان "العالم الإسلامي والغرب: التحديات والمستقبل" إلى أن مصطلح "العالم الإسلامي" غربي النشأة، نحته المستشرقون وصدرت عام 1911م مجلة إنجليزية بهذا الاسم (THE MUSLIM WORLD)، وكان القس صموئيل م. زويمر أول رئيس تحرير لها. ثم يضيف التويجري:

(ولكن هذا المصطلح ينطوي الآن على مضمون يتجاوز الرقعة الجغرافية التقليدية، والتي تشمل البلدان الإسلامية، إلى المسلمين عامة حيثما وجدوا، ولذلك فإن المسلمين في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي -مثلا- هم جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، بهذا المفهوم الحضاري الثقافي، لا بالمفهوم السياسي والجغرافي. فالمسلمون أينما كانوا، هم حملة رسالة الحضارة الإسلامية، ودعاة سلام وتعايش وتفاهم بين الشعوب والحضارات والأديان)(3 )هذه النماذج هي الغالبة في فهم كلمة "العالم الإسلامي" اصطلاحيا فيما ينشره المفكرون والدارسون عموما عندما يستخدمون الكلمة في كتاباتهم العربية.

تداول المصطلح فكريا

في الوقت الحاضر تُستخدم كلمة العالم الإسلامي بشكل مماثل لاستخدامها في تعبير "العالم الغربي" مثلا في لغات أقوامه، أي بالمضمون الثقافي الحضاري للكلمة، أكثر من استخدامها انطلاقا من عناصر الجغرافيا والتاريخ. ويشهد على ذلك التأمل في مواضع استخدام تعبير "العالم الإسلامي" من جانب الكتاب والمفكرين في الدائرة الحضارية الإسلامية على امتداد العقود الماضية، ولا يمكن حصرها، إنما نجد بعض الأمثلة على ذلك فيما يعدده د. عبد العزيز بن راشد المطيردي في مقالة له بعنوان "دراسات حول العالم الإسلامي"(4 ) حيث يذكر كثيرا من الكتب المعروفة لنا كشواهد على ذلك، مثل (العالم الإسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي) لأنور الجندي، و(وجهة العالم الإسلامي) لمالك بن نبي، و(العالم الإسلامي والمكائد الدولية خلال القرن الرابع عشر الهجري) لفتحي يكن، وكتب عديدة في التاريخ والجغرافيا لمحمود شاكر، و(جغرافية العالم الإسلامي) لأحمد شقلية، و(جغرافية العالم الإسلامي) لمحمود طه أبو العلا، و(العالم الإسلامي المعاصر) لجمال حمدان، وغيرها.

ومع أن بعض هذه الكتب استهدف الحديث عن الجغرافيا والتاريخ، فإن مؤلفيها لم يقفوا عند "حدود جغرافية" بالمعنى التقليدي للكلمة، بل جمعوا مثلا بين الحديث عن البلدان ذات الغالبية السكانية المسلمة وعن الأقليات المسلمة في بلدان أخرى، وأوردوا الكثير عن المميزات المنبثقة عن العوامل العقدية وكذلك الثقافية والحضارية والاجتماعية، الشاملة لغير المسلمين أيضا في وسط سكاني إسلامي.

مصطلح "العالم الإسلامي" في هذه الأدبيات السياسية والتاريخية والجغرافية والثقافية والفكرية على امتداد القرن الميلادي العشرين، بأقلام المسلمين وغيرهم، واسع الانتشار -بغض النظر عن النشأة الأولى للمصطلح- دون أن ينطلق مستخدموه من "معيار" عنصر الحكم بالإسلام.

 وبذلك لا يتعين اعتبار كلمة العالم الإسلامي -كما يتردد أحيانا- مصطلحا جديدا بديلا عن مصطلح "دولة الخلافة"، وهي التي لم تكن تشمل دوما جميع بقاع انتشار الإسلام والمسلمين وانتشار الحكم بالإسلام، بينما يكمن هنا أحد أسباب الاعتراضات ذات الصبغة الحماسية، وفيها ما يخلط بين مصطلح العالم الإسلامي ومصطلحات أخرى، ذات مضامين إسلامية اجتهادية قديمة وحديثة، مثل الأمة، ودار الإسلام.

وينبغي ألا يفوتنا في هذا الموضع أن الخطاب القرآني للأمة يعتمد عبارة "يا أيها الذين آمنوا" وليس يا أيها الذين أسلموا، وفي ذلك إشارة إلى الانتساب العقدي للمؤمنين خاصة، دون وجود أي تناقض مع الخطاب القرآني "يا أيها الناس"، أو مع مصطلحات قرآنية مثل "شعوب، وقبائل، وأقوام".

ولا يفوتنا أيضا أن الربط بين العقيدة والأرض في الخطاب القرآني ينطلق من أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، ويمكّن فيها لمن يهتدي بهديه ويقيم شرعه، وقد تعني كلمة "الأرض" حسب السياق القرآني بقعة جغرافية كبيرة أو صغيرة.

إن عدم التمييز بين العناصر المتعددة ذات العلاقة بكلمة العالم الإسلامي، وفي مقدمتها عنصر العقيدة وموضعه المتميز، وعنصر الحكم الإسلامي وموقعه فقهيا، وعنصر الجغرافيا والحدث التاريخي، وعنصر الانتساب الثقافي والحضاري.

الأمر الذي جعل استخدام كلمة العالم الإسلامي أحيانا موضع تساؤل في غياب ذلك التمييز، فهو مصطلح (ملتبس للغاية) على حد تعبير مجموعة من المؤلفين شاركوا في نشر كتاب (العالم الإسلامي والغرب.. حوار غير مألوف) من إصدار المؤسسة الألمانية للعلاقات الخارجية، وقد ورد عن محتواه في عرض له بقلم يوسف حجازي:

(مصطلح العالم الإسلامي هو مصطلح ملتبس للغاية. فما هو معناه؟ هل المقصود به المناطق الجغرافية المأهولة بالمسلمين أم يقصد به دول المؤتمر الإسلامي السبعة والخمسون؟ أم هي هذه الدول مجتمعة مع التجمعات الإسلامية المقيمة في دول أخرى غير إسلامية أوروبية أو أمريكية؟ وتزداد صعوبة التحديد لكون معظم هذه الدول لا تحكم بالإسلام إلا ما ندر مثل السعودية وإيران، إلا أن أصحاب التقرير -برغم عدم رضاهم عن مصطلح "العالم الإسلامي"- لا يقترحون بديلاً ولا يستخدمون مصطلحا آخرا)(5 ).

مثل هذا الالتباس لا يراه الغربيون في استخدام كلمة العالم الغربي، رغم اقتصارها إلى وقت قريب على رقعة جغرافية محددة اتسع نطاقها فباتت تشمل ما كان يعرف بالعالم الشرقي أو الشيوعي، وبات يستخدم تعبير العالم الغربي بصورة شاملة لها، ناهيك عن التعامل السياسي أيضا كانضمام عدد من دولها إلى منظمات "العالم الغربي" كحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

مواقف هامشية

من جهة أخرى يشهد استخدام مصطلح العالم الإسلامي على نطاق واسع خلال القرن الميلادي العشرين على شذوذ بعض المواقف التي تنطلق من اعتبارات سياسية محضة، فتقول مثلا: (لم يُطرح مصطلح العالم الإسلامي قبل انتصار الثورة الإسلامية، وقسّمت المناطق التي يقطنها المسلمون وفقاً لأوضاعها الجغرافية وجغرافيتها السياسية إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقية وجنوب شرق آسيا والشرق الأدنى. وأما مصطلح العالم الإسلامي فقد طرح في قاموس العلاقات الدولية بعد انتصار الثورة الإسلامية)(6 ).. ومعروف أن ذلك كان عام 1979م فماذا عن الكتب المشار إليها قبل ذلك التاريخ؟

كما يؤكد انتشار استخدام تعبير العالم الإسلامي من جانب الكتاب والمفكرين المسلمين لعقود عديدة أن كثيرا من مواقف التأييد أو الاعتراض الحماسية (وليس تحفظات أصحاب الاختصاص الأحرص على تثبيت المضامين والمفاهيم للمصطلحات المتداولة) ليست ذات اعتبار، كالقول مثلا إن من دواعي استخدام تعبير "العالم الإسلامي" ضرورة تجنب تعابير أخرى نشرها الغربيون لتمزيق العالم الإسلامي سياسيا وجغرافيا، وأشهرها "الشرق الأوسط" و"الشرق الأدنى" و"الشمال الإفريقي".

والجواب على ذلك أن تعبير "العالم الإسلامي" نحته مستشرقون غربيون -حسب كلام التويجري- وقد تزامن وفق التاريخ الذي أورده (1911م) مع نحت تعبير "الشرق الأوسط" من جانب مؤرخين بريطانيين أيضا.

بل إن هذه الأقوال الحماسية تلتقي دون قصد مع ما عبر عنه الصحفي "بارجا خانا" منطلقا من قاعدة "فرّق تَسُدْ" الاستعمارية، فيما نشره في صحيفة واشنطون بوست مطالبا به الرئيس الأمريكي باراك أوباما ألا يستخدم تعبير العالم الإسلامي قائلا: (نلاحظ أن أوباما على غرار سلفه بوش يتوهم أنه يستطيع التخاطب مع مجتمع (أسطوري) يسمى العالم الإسلامي، وعلى غرار الكثير من الساسة والمفكرين الغربيين، حاول خلق معنى لهذا المصطلح، لكن استخدامه غير الصحيح له أفقده فرصة حقيقية لكسب القلوب والعقول)(7 )

البحث المنهجي في المصطلح

لا ينشأ المصطلح في العلوم الإنسانية نتيجة ابتكاره بجهد فردي وتعميمه، إلا نادرا، إنما ينشأ مثلما نشأ مصطلح العالم الإسلامي نشأة طبيعية من خلال تداوله دون تثبيت مفهوم قطعي الدلالة له، ثم يمكن أن يجد جهدا علميا منهجيا لتلافي ذلك النقص، وتحسين معطيات توظيف المصطلح في خدمة الفكر والتعامل البشري، ومع ملاحظة اتساع نطاق استخدام كلمة العالم الإسلامي، وتعدد المواقف منها، لا تخفى الحاجة إلى جهد متميز من جانب المتخصصين للنظر في تثبيت مفهوم اصطلاحي لها.

والأصل هو أن استخدام تعبير العالم الإسلامي يجب أن ينطلق من دواع ذاتية، أي من السؤال عن الحاجة المعرفية الذاتية، التي تضمن تلاؤم الكلمة لغويا وتلاؤم الدلالة الاصطلاحية لها مع الاحتياجات الذاتية للمجموعة البشرية المعنية أو المنطقة الجغرافية المقصودة -أو كلاهما معا- فإذا انطلقنا من قبول المحور الثقافي للكلمة بأبعاده الحضارية كما ورد في بداية الحديث، وجب أن يكون في تعريف كلمة العالم الإسلامي اصطلاحيا ما يشمل:

1- الدائرة الحضارية التي تنتسب إلى الحضارة الإسلامية.

2- المجموعة البشرية من المسلمين وغير المسلمين ممن انطلق وينطلق من معايير الحضارة والثقافة الإسلامية.

3- بيان نقاط التقاطع والتمايز مع كلمات اصطلاحية أخرى مثل الأمة الإسلامية، ودار الإسلام، وجماعة المسلمين.

4- بيان نقاط التقاطع والتمايز مع الرقعة الجغرافية التي يُطلق عليها وصف العالم الإسلامي في الأدبيات السياسية والتاريخية تخصيصا، ويقصد بها الأقطار ذات الغالبية المسلمة من السكان.

ثانيا: ظلال التعامل مع "العالم الإسلامي"

يبذل جهد على الصعيد النظري والفكري لتثبيت مفهوم محدد لكلمة اصطلاحية من ميدان العلوم الإنسانية، ويبقى الخلاف حولها قائما في الأعم الأغلب، كما يتعرّض استخدامها لمؤثرات عديدة من خارج نطاق الفكر النظري، وهذا ما يسري في الوقت الحاضر على كلمة العالم الإسلامي -ساعة كتابة هذه السطور- على الجدل المثار حول هذا المصطلح، بسبب كلمة الرئيس الأمريكي باراك أوباما التي أعلن منذ انتخابه إنه يريد توجيهها إلى العالم الإسلامي، ويحسن هنا تأكيد نقاط أساسية في هذا الحديث:

1- تصوير هذه الكلمة أنها حدث الساعة من الطراز الأول ينطلق من دوافع وعوامل سياسية لا علاقة لها بأصل المصطلح واستخدامه.

2- يسبب هذا السلوك فوضى اصطلاحية وفوضى سياسية أيضا، فإخضاع فهم المصطلح لظروف سياسية ما ومواقف سياسية متقلبة، لا يشكل أرضية منهجية للتعامل مع المصطلحات الأساسية كالعالم الإسلامي، كما أنه لا يشكل منطلقا سليما للتعامل مع الأحداث والتطورات السياسية.

3- ليست كلمة أوباما مصدرا لتغيير مفهوم كلمة العالم الإسلامي، إنما قد تأتي في سياق تصحيح ما ساد من تصورات أمريكية عن الكلمة أو في سياق المضي في محاولة توظيفها كسواها أو مع سواها مثل "الشرق الأوسط" الكبير والصغير والجديد والقديم لأغراض سياسية.

4- إذا كان المطلوب من العالم الإسلامي بمعنى الكلمة الثقافي الحضاري اصطلاحيا أن يستمع لمعرفة ما يريده رئيس أمريكي جديد، فالمطلوب منه أولا أن يستوعب ما تعنيه الكلمة عند أهلها والتي جعلها أحد محاور سياساته.

5- لا بد تبعا لذلك من تحديد معيارين للتعامل مع كلمة أوباما:

أ- هل فيها ما يكشف عن الإقرار بالصبغة الحضارية والثقافية المميزة للعالم الإسلامي لإخضاع المواقف السياسية وغير السياسية لها؟..

ب- هل فيها من المواقف السياسية وغير السياسية ما يلحق الأضرار بالعالم الإسلامي ويستدعي الرفض أو ما يثبّت منطلقات جديدة لتعامل قويم ويستدعي الانفتاح المشروط بالتقويم المتجدد لتلك المواقف، فهي متطورة ومتبدلة باستمرار؟..

واقع العالم الإسلامي

إذا اعتبرنا كلمة أوباما مهمة لأنه رئيس دولة كبرى تنتمي إلى عالم آخر هو العالم الغربي وتؤثر على صناعة القرار الدولي أكثر من سواها، فإن هذا لا يقدم كثيرا ولا يؤخر من حقيقة أن ما نستشعره في الواقع الراهن ويمكن وصفه بمشكلة العالم الإسلامي أو أزمته، إنما يكمن في هذا الواقع بأبعاده الذاتية، ويتطلب النظر فيه ما لا يمكن حصره في مقال أو بحث أو محاضرة أو مؤتمر، إنما نركز على عناوين عريضة:-

1- التنوع الكبير في العالم الإسلامي ميزة طبيعية لم تكن تمثل إشكالية في تاريخه الطويل ولا ينبغي أن تمثل إشكالية في حاضره ومستقبله، بل تكمن الإشكالية الأكبر في اضطراب الوعي المعرفي بالعنصر الحضاري الثقافي المشترك فهو الذي يجعل "العالم الإسلامي" عالما مختلفا عن سواه كالعالم الغربي، وبقدر ما يتحقق من تنمية هذا الوعي المعرفي يكتسب العالم الإسلامي قوة التماسك بين أطرافه المتعددة والتجانس بين أجزائه المتنوعة.

2- تعدد المنطلقات الفكرية والسياسات اليومية والتطبيقات العملية داخل نطاق العالم الإسلامي المشترك، ظاهرة ثابتة عبر الحقب التاريخية، وثابتة في الحاضر والمستقبل.

 والأهم هو تحقيق الإنجازات، فإن اقترنت هذه المنطلقات بتفعيل منطلق العنصر الحضاري الثقافي المشترك، أمكن تحقيق تكاملها على طريق النهوض والتقدم بالعالم الإسلامي بمجموعه وعلى مستوى مكوّناته، وإن بقي تعطيل مفعول هذا العنصر المشترك مستمرا، غلبت النزاعات على الإنجازات من خلال توظيفها في خدمة أطراف النزاع والقضاء عليها عبر أشكال الصراع الناجم عنه، وليس هذا خاصا بالعالم الإسلامي، بل سرى ويسري على سواه كالعالم الغربي.

3- إن العلاقة بين دائرة حضارية وأخرى في تاريخ البشرية وواقعها ومستقبلها، ستبقى على الدوام مرتبطة بمدى سريان مفعول العناصر الإنسانية البشرية المشتركة، بالمقارنة مع سريان مفعول الاختلافات القائمة، وعندما يتحقق التوازن في العالم الإسلامي بين ما يقتضيه خطاب (يا أيها الذين آمنوا) وخطاب (يا أيها الناس)، ويصبح هو المصدر لصناعة القرار فيه على مختلف المستويات الفكرية والسياسية والثقافية والأمنية والاقتصادية، تتحول العلاقة بالآخر من دائرة حضارية أخرى إلى علاقة تأثير متبادل على أسس قويمة.

4- كما أن العالم الغربي لا ينتظر (ولا يقبل) من العالم الإسلامي مطلبا من قبيل تغيير العنصر الثقافي الحضاري المشترك الذي يقوم عليه وجود العالم الغربي، فلا يمكن أن تستقيم العلاقة بين الجانبين دون إسقاط أي مطلب (من جانب العالم الغربي.. أو داخليا في العالم الإسلامي) من قبيل تغيير العنصر الثقافي الحضاري المشترك الذي يقوم عليه وجود العالم الإسلامي.

أطروحة الحوار وصناعة القرار

إن المعالم الأساسية المذكورة أعلاه بإيجاز شديد هي الأرضية التي يفتقدها العالم الإسلامي في الوقت الحاضر في إطار علاقاته البينية وعلاقاته بالآخر على السواء، وهذا ممّا يجعل الالتقاء والصدام موزعا على "ملفات" عديدة منفصلة عن بعضها، رغم أن تأثيرها على بعضها البعض أمر مشهود على أرض الواقع ويجعل قابلية تحقيق هدف إيجابي على صعيد أي منها مستحيلا من الأصل، أو مؤقتا. من الشواهد على الصعيد البيني داخل العالم الإسلامي كأمثلة:

1- لا تنفصل قضية الإصلاح السياسي بمعنى الوصول إلى أوضاع تنبثق فيها إرادة السلطة وقرارها عن إرادة الشعب وقوالب التعبير عنها، عن قضية الاستقرار والأمن الداخليين، ولا يزال الفصل قائما في الواقع التطبيقي مما لا ينتظر أن يزول بغض النظر عن وسيلة إزالته، دون نشأة أوضاع تقوم فعلا لا كلاما على أرضية الوعي بالعنصر المعرفي الثقافي والحضاري المشترك بين مكوّنات القطر الواحد وبالتالي بين فئة تحكم والمحكومين، للتخلص من انطلاق السلطة من وضع مفهوم استقرارها هي وأمنها هي في حال فرض ما تريد مهما تناقض مع من تفرضه عليهم من الشعوب.

2- لا تنفصل قضية النهوض والتقدم في مختلف الميادين العلمية والتقنية والاقتصادية وغيرها عن قضية التعاون والتكامل بين بلدان الدائرة الحضارية الإسلامية، وتركيز العلاقات مع الآخر على نقاط الالتقاء التي توصف عادة بالمصالح "المتبادلة"، ولا يزال الفصل قائما بتغليب نقاط الاختلاف وجعلها حاجزا دون التعاون والتكامل فيما لا يوجد اختلاف حول فائدته، وبتغليب العلاقة القويمة أو المنحرفة مع الآخر خارج نطاق الدائرة الحضارية المشتركة على العلاقة مع الآخر داخلها.

ومن الشواهد على الصعيد الخارجي للعلاقة بين العالم الإسلامي وسواه:-

1- لا تنفصل مشكلة الإرهاب باستخدام عنف غير مشروع لتحقيق هدف مشروع أو غير مشروع، عن قضية مقاومة العدوان المشروعة وسيلة وهدفا، ولا يبدو أن هذه العقدة في العلاقات بين العالم الإسلامي والعالم الغربي ستجد حلا لها، ما دام العنصر الإنساني البشري المشترك مغيّبا عن صناعة القرار السياسي، وهو ما يوصف أحيانا بازدواجية المعايير، ويترجم أحيانا أخرى بإساءات الافتراء على الإسلام باعتباره مصدر الأرضية المعرفية للدائرة الحضارية الإسلامية.

2- رغم الانقسام القائم في العالم الإسلامي لأسباب تاريخية ومعاصرة، لا يمكن أن يزول في الوعي المشترك القائم في الدائرة الحضارية الإسلامية الارتباط الوثيق بين القضايا الساخنة كأفغانستان وفلسطين والشيشان والصومال، وبالتالي ستبقى الأطروحات الغربية للتعامل مع العالم الإسلامي وتعامل صانع القرار فيه معها، أطروحات صراع شمولي وإن حملت لأغراض ما صيغة سلام أو إقرار بحقوق ما كما قيل عن التعامل مع كوسوفا، ولم تحمل سلاما قائما على مبادئ إنسانية مشتركة، كالحق والعدالة، على صعيد مختلف القضايا الساخنة.

أوباما وغياب الحوار المطلوب

لا تبدو كلمة أوباما الموجهة إلى العالم الإسلامي على ضوء ما سبق "حدثا" مفصليا في العلاقة مع العالم الغربي كما يجري تصويرها بأسلوب إحلال الموقف الرمزي -كالعنوان والمكان ولهجة الخطاب- مكان صناعة القرار العملي وتنفيذه.

رغم ذلك يمكن النظر فيها بعد أن انتشر الحديث عنها على هذا النحو غالبا، وأدناه جعلها منطلقا للسؤال المطروح بأكثر من صيغة: هل ستكون بداية حوار حضاري بدلا من "صدام الحضارات"؟..

إذا استثنينا الشكليات الرمزية التي لا تغير من المضمون شيئا وإن وظفت لاصطناع أجواء إيجابية، تبقى كلمة أوباما مفتقرة إلى جميع الشروط الفاعلة في تحقيق حوار حضاري، ومن ذلك على سبيل المثال دون الحصر:

1- الشرط الأول الإقرار المتبادل بوجود صيغتين حضاريتين تتحاوران على العناصر المشتركة بينهما لتحقيق الأفضل للأسرة البشرية، وجميع ما صدر عن أوباما بهذا الصدد لا يتعدى الإقرار -الذي سبقه إليه كثيرون سواه في الغرب- بأن المنطلقات الحضارة الإسلامية "كان" لها دور في التاريخ البشري.

أما ما يتعلق بالواقع الراهن للأسرة البشرية، فكان المنطلق الغربي ولا يزال، مع أوباما ومن دونه، هو مركزية الحضارة الغربية وهيمنتها عالميا، وتثبيت شرط "قبول" معاييرها الذاتية للتعامل مع الآخر.

2- الشرط الثاني إقرار المبدأ البشري المشترك للمساواة بين جميع البشر، وجميع الشعوب، لبلوغ الأهداف المشروعة على أساس الحق والعدالة وليس على أساس ما تفرضه القوة المتفوقة في حقبة تاريخية ما، وهذا ما لا يزال بعيدا كل البعد عن منطلقات العالم الغربي في اتخاذ قراراته المشتركة بين دوله أو الانفرادية على السواء، في التعامل مع قضايا العالم الإسلامي وشعوبه، مما يسري حتى في حالة التراجع الجزئي عن موقع من المواقع نتيجة عجز فعلي أو شكلي عن تحقيق الهيمنة بالقوة، فالتراجع مقترن على الدوام باللجوء إلى وسائل أخرى وليس بإسقاط هدف الهيمنة غير المشروعة ابتداء.

3- الشرط الثالث إيجاد المعطيات الأساسية للحوار الهادف بين الطرفين المعنيين، وهنا تكمن المعضلة الأكبر في العالم الغربي، وأهم عناصرها أنه أقام علاقات حكوماته وصانعي القرار فيه -المرتبط وجودهم بتمثيل الشعوب وفق آليات هذا التمثيل الغربية- على أساس ما يعتبره "مصالح" له مع الجهات التي تضمن له تلبية تلك "المصالح" دون النظر في حقيقة تمثيل تلك الجهات: الحكومية وغير الحكومية، لشعوب دائرة الحضارة الإسلامية، سواء كان هذا التمثيل المغيّب وفق آلياته الغربية أو كان وفق آليات تنبثق عن الأرضية المعرفية لدائرة الحضارة الإسلامية.

باختصار:

توجد عوامل ذاتية عديدة للقول إن واقع العالم الإسلامي ما يزال بعيدا عن قابلية الدخول في حوار حضاري متوازن مع الطرف الآخر، ويجب بذل الجهود الذاتية لتحقيق ذلك، إنما توجد عوامل سلبية حاسمة في واقع العالم الغربي وتعامله مع الأسرة البشرية عموما، ومع الدائرة الحضارية للعالم الإسلامي تخصيصا، هي التي تحول دون حوار مثمر، رغم أن العالم الغربي في وضع يمكنه، أو من المفروض أن يمكنه، من العمل على إيجاد شروط موضوعية ليكون الحوار حوارا، وليعود بالفائدة المشتركة على الأسرة البشرية بمعناها الشامل، وليس على العالم الغربي وعلى المعاني الضيقة والمنحرفة التي سادت فيه حول مصطلحات أساسية في دورة الحضارات الإنسانية، كالأسرة البشرية، والعالم، والآخر، وهو ما ينصرف على فهمه لمصطلح العالم الإسلامي أيضا


كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947 م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م.

(1)- http://www.islamonline.net/iol-arabic/qadaya/qadaya-april-2000/qd6.asp

(2)- د. عبد الله إبراهيم، "المركزية الإسلامية.. المطابقة والاختلاف"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب.

(3)- http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/D%C3%A9fis%20et%20avenir/p1.php

(4)- http://www.manaratmag.com/arabic/details.asp?CatID=1119

(5)- http://ar.qantara.de/webcom/show_article.php/_c-471/_nr-97/i.html

(6)- http://www.tebyan.net/index.aspx?pid=31143&BookID=25805&PageIndex=12&Language=2

(7) نشر عرض لمحتوى المقال في إسلام أون لاين وفي وسائل إعلامية عربية عديدة، ومنها: ملحق الرسالة التابع للمدينة يوم 8/5/2009م بقلم نزار عبد الباقي http://al-madina.com/node/135237/risala

ارسال در تاريخ چهارشنبه سی و یکم تیر 1388 توسط